محمد خليل المرادي

189

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

والتزم الشيخ المذكور ، فصار يصحبه مرارا ويتدارس معه ، ويعلمه كيفية القراءة بالألحان مع مراعاة التجويد . ثم قرأ الأجرومية ، وحصّة من شرح القطر على الإمام عبد الرحمن بن محمد العاري . ثم قرأ على عبد اللطيف بن عبد القادر الزوائدي ، وقرأ الفقه على الفاضل المعمر قاسم النجار ، وحضر دروس محمود بن عبد اللّه الأنطاكي في التفسير ، من أول سورة الأنفال إلى آخر سورة الفرقان . ولم يفته شيء . وسمع على المذكور غالب الجامع الصحيح بالمدرسة المذكورة . وكتب بخطه شرح السفيري على بعض أحاديث من الصحيح ، وقرأه على المتقن حسن الطباخ . وقرأ السيرة الحلبية على أحمد الشراباتي ، وكتب بخطه الهدى للعالم أبي الوفا العرضي ، وطالعه مع الشيخ العارف محمد صلاح ، وقرأ الكثير . وفي سنة ست وأربعين بعد المائة كتب حرز الأماني وعرضها بعد حفظها على الماهر المقري محمد بن مصطفى البصيري ، وقرأ عليه القرآن العظيم من طريقها جمعا وإفرادا ، لكل راو ختمة ، في مدة ستة أشهر . وأجازه الشيخ المذكور بالقراءة والإقراء ، وشهد له بالأهلية . ثم في سنة ثمان وأربعين وجّهت له وظيفة إمامة الصلوات الجهرية بجامع الوزير عثمان الكائن بحلب المشهور بالرضائية ، فباشرها مع بعد داره عن الجامع المذكور . وطلب منه محمود الأنطاكي المدرس المذكور أن يقرأ القرآن العظيم في صلوات الصبح على التأليف الشريف ليسمع العوام الذين لا يقرءون القرآن ، جميع القرآن العظيم ، وأن يكون كل ختم لراو من رواة الأئمة السبعة ، وقال كذا سمعت الأئمة في الحرمين الشريفين يقرءون في الصلوات ، وفيه نفع وفائدة . فشرع صاحب الترجمة يقرأ في صلاة الصبح كما طلب المدرس المذكور . فكان يقرأ في كل سنة ختمتين ونصف ختمة وأقل من ذلك ، ويهرع إليه الناس في صلاة الصبح من محلات بعيدة من الجامع لحسن صوته وقراءته ، وطيب ألحانه مع مراعاة الأحكام . وأتقن كثير من المصلّين قراءتهم من السماع ، وصار لذلك نفع عظيم . واقتدى بذلك جماعة من أئمة الجوامع ، فصاروا يقرءون القرآن العظيم في صلاة الصبح على التأليف الشريف . ثم إنه بعد صلاة الصبح يجلس في حجرته يقرئ القرآن العظيم لمن يريد القراءة ، ولا يردّ أحدا سواء كان من أهل البلدة أو من الغرباء . ويحصل له المشقة العظيمة في تعليمه الأتراك وتعديل ألسنتهم في مخارج الحروف والنطق بها . ويزدحمون على الأخذ عنه لأنه يقرر لهم باللغة التركية ما يفهمونه . فلذلك كثر الآخذون عنه من الأتراك وغيرهم . فلا تخلو بلدة من بلاد الروم من تلميذ أو تلميذين أو ثلاثة . وفي سنة إحدى وستين وجّه له الوزير إسماعيل كافل حلب خطابة جامعه الذي أنشأه